واحة العرب
السبت هـ الموافق 23/08/2014 م

أدبي >> هيكل بناء القصيدة العربية
14:17 2009-05-18
رمضان عمر

 

هيكل بناء القصيدة العربية

المقدمة الطللية

  المطلع في الشعرأول ما بقع في السمع من القصيدة، وهو العنوان الاولي الذي ينفتح على  جوهرالمضمون؛ فاذا  كان بارعا وحسنا بديعا،  وطيعا منيعا،  ورشيقا رفيعا،  أيقظ السمع وأرهفه، وأثر في النفس  وجذبها الى حيث يريد الشاعر، وذاك كله مدعاة الاستمرار  في  القراءة  والاصغاء الحسن، وبداية الذوق الممتع.

ومن هنا، فقد اهتم النقاد بالمطلع، وكانوا يقولون:"احسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان"[1] .

وكان الشاعر العربي- قبل الإسلام-  يفتتح قصيدته بالوقوف على الأطلال، ووصف آثار الديار العافية، ويعرّج بعد ذلك على النسيب، يقول فيه أبياتًا يمهّد بها لغرض القصيدة الرئيس. وقد يتخلل المقدمة وصف للناقة أو الثور الوحشي وغيرهما من ضروب الحيوان.

     وقد ظل الشعراء في العصر الإسلامي يلتزمون هذا النهج، بوجـه

عام، لم يشذ عنه إلا شعراء الغزل، ولاسيما شعراء الغزل العذري، فقد شغلهم حبهم عن الالتفات إلى فنون الشعر الأخرى ووقفوا شعرهم على الغزل وحده. وكان أكثر الشعراء التزامًا لنهج القصيدة الجاهلية شعراء المديح، وفي مقدمتهم جرير والفرزدق والأخطل.

     وقد استقر في العصر الإسلامي شكل القصيدة العربية حين استخلص العالم الفذّ الخليل بن أحمد أوزان الشعر العربي من استقراء النصوص الشعرية، ووضع قواعد علم العروض، وفصّل في ذكر ما يعتري التفعيلات من الزحافات والعلل، كما أسس علم القافية من حيث أنواعها وحروفها وصورها. ثم جاء الأخفش فزاد في البحور الشعرية بحرًا أتم به عدد البحـور سـتة عشـر بحرًا وسـماه البحر المتدارك. ولم يكد يطرأ على صنيع الخليل في الأوزان الشعرية والقافية تغيير ذو شأن إلى يوم الناس هذا[2].

وقد  اوجب النقاد على الشاعر  ان  يحترز   في اشعاره  ومفاتيخ  اقواله  مما يتطير منه، او يستجفي من الكلام والمخاطابات، كذكر البكاء ووصف اقفار الديار، وتشتت الالاف ،و نعي  الشباب، وذم الزمان، لكنه لا باس في استعمال هذه المعاني في الرثاء ووصف الخطوب دون المدح[3].  

وطالبوا – أيضا- الشعراء  بتجنب  ذكر النساء، اللواتي قد يتوافقن  مع اسماء الممدوحين، او  ما يتصل بهم  ، وهذه  من  جملة المذاقات النقدية التي  جعلت القصيدة الجاهلية  نموذجا يحتذى  به  ،  وسننا يتبع ،ولازمة لا يجوز  القفز عليها  ،  وتقليدا  نمطيا  يشبه الطقس الديني  المقدس.

  واول  ما يصادفنا في المقدمة الطليية الجاهلية تلك الثنائية  اللازمة بين الانسان والمكان، ثنائية تؤسس لعلاقة جدلية ،وتعكس منطقا علائقيا  فريدا،  يمنح الدارس فرصة اضافية لتعمق  المفهوم الدلالي في اشعاعات النص المفترضة.حيث" إن المكان هو الموجه لحياة الجاهلي ووجوده، مما جعله يتعامل مع مظاهره تعاملا ً خاصًا ومنفردًا في جميع أشكاله"[4]

ولعل أصرح قول في تفسير الترابط العضوي بين المكان والانسان- لدى القدماء- ما  جاء في نص ابن قتيبة المشهور:" وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظغن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماءٍ إلى ماءٍ، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة، والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه، لأن التشبيب قريبٌ من النفوس، لأئطٌ بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسببٍ، وضارباً فيه بسهمٍ، حلالٍ أو حرامٍ، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحل الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكأفاة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل"[5].

هذا النص– رغم  ما  فيه  من  أحكام  عامة  قد لا نتفق  معها - يكشف عن فهم عميق، ورؤية ثاقبة لابن قتيبة، وربما اراد ابن قتيبة ان يتحدث- هنا- عن قصيدة المدح، غير ان ما يعنينا- هنا- هو  ما ورد  في حديثه عن سبب المقدمة، واهمية هذا السبب؛ فالاطلال وما تحمله من دلالات مكانية انما هي لذكر أهلها الظاعنيين، والغزل لاستمالة القلوب واستدعاء اصغاء الاسماع.

وقد سبق ابن قتيبة ناقد نافذ البصيرة هو محمد بن سلام الجمحي (139 – 231هـ) فقدم لكتابه "طبقات فحول الشعراء" بمقدمة طويلة أبرز فيها ظاهرة انتحال الشعر، ولكنه لم يعرض لنظام القصيدة العربية، وإنما اكتفى بالحديث عن صناعة الشعر

اما المعاصرون، فقد كثرت تفسيراتهم واجتهادتهم ووجهات نظرهم،  فمنهم من يذهب الى ان مقدمة القصيدة كانت امرا طبيعيا عند شعراء الفئة الاولى من حياة الشعر الجاهلي؛ يعبر فيها الشاعر عن ذاتيته وغرضه الشخصي ،قبل ان يصل الى القسم الغيري من القصيدة، ومنهم من يفترض ان الشاعر القديم وقف على الأطلال وقوفا يتجاوز حد البكاء .وقوفا يمثل صرخة متمردة أمام حقيقة الموت والفناء.

أما المستشرق الالماني" فالتر راونا" فقد ذهب الى تسفيه رأي ابن قتيبة ورأى انه غريب وغير محتمل، وانه بعيد عن الشعراء القدماء لامرين: أولاهما ان ابن قتيبة رجل حضري يعيش بعيدا عن البداوة غاية البعد، والاخر ان الشاعر الجاهلي يعيش في حياة وبيئة تلزمه ان يستجيب لمتطلبات القبيلة والذود عنها [6] .

ولو اننا رجعنا الى بعض مقدمات الجاهلييين واستقرأنا ذلك النسق التعبيري الذي ساد في مقدماتهم لتبن لنا ما في ثنائية " المكان والانسان " من علاقة تبرره طبيعة التشكل الجغرافي والاجتماعي، وتعكس بيئة الشاعر ومنطق تفكيره وتخوفاته؛ فالمنزل رمز من رموز حضارته، والمرأة جزء مكمل لرجولته، فهو دائم التوق اليها رغبة في استكمال ذاته ،أما الجفاف والجدب  والموت فهي صور تتجاذب لتتفتق عن قساوة العيش في مواجهة جدابة الارض، مما استدعى استدرار الدمع لكي يولد الخصب في الوعي الانساني من اجل احداث صورة التكافؤ الوجداني بين النفس الانسانية والمكان المتعلق بها.

لذا فقد عبر من  خلال  الوقوف على الطلل عما واجهه الشاعر نفسه في الجزيرة العربية ،من  مأساة الجذب والتصحر، ذاك الشبح الذي ابتلع الخصب وقضى عليه، ذاك المارد  الذي حول الحياة الى صراع دائم مع الزمن المتحول، والارض المجدبة ؛لذا كان الوقوف على الاطلال وبكاء الديار تعويضا عن الماء الذي حيسته السماء.وكان استخدام التثنية في وقوف امرئ القيس دعوة للوقوف الجماعي ،مما يشي ان هذا الوقوف يمثل طقسا تعبيريا عن حالة اجتماعية،أما كلمة الذكرى فهي اشارة الى البعد الزمني للقصيدة ،وهو بعد يعكس حالة استحضار الزمن من ناحية وشقه الى زمنيين من ناحية  اخرى ، زمن الوقوف والبكاء، وزمن وجود الحبيب في المنزل [7] :

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل [8]

فالشعر العربي" بشكل عام " وهنا نخص  بالتحديد الشعر الجاهلي ، لم يكن محاكاة لافعال متكررة في الزمان ولا تمثيلا لمظاهر الواقع والطبيعة، لان الشاعر العربي كان على علاقة غير منسجمة مع واقعه وبيئته، وكان يعاني معاناة حادة أزمة الوجود الانساني، يواجه وحيدا الزمن العاتي، السالب الانساني، الشباب والحيوية والمؤدي به الى الموت والمجهول، فسعى الى تخطي ذلك الواقع بايقاع صوري مغاير لايقاعه وبالبنية الفنية المباينة لبنيته  .

وتكون وحدة الوزن والقافية وسيلة من وسائل البناء الفني

 حيث يمكن تصنيف النص الشعري العربي من خلال ابتعاده عن تمثيل مظاهر الطبيعة العضوية بما فيه الانسان وعدم محاكاة فعله انها تحقيق مباشر لمبدأ اللاشخصية في الشعر،  ذلك ان الانسان العربي كان يشعر بنفسه انه لا يقوى على الطبيعة القاسية والوجود الغامض والقاهر فاحتمى بالقبيلة واضافه اليها فيما بعد الدين والدولة .... لذا فالقصيدة العربية لا تعبر عن شخصية الفرد بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالتقاليد الشعرية التي تكون بما يسمى باغراض الشعر ، واذا ما أتينا الى الموضوع كالغزل مثلا فان الشعراء العرب كانوا يتحدثون عن امرأة واحدة وان تعددت اسمائها فليلى وسلمى وفاطمة وهي مسميات لامرأة واحدة ، ولنفس السبب ايضا تشابهت مشاهد الحرب والصيد واوصاف الخيل والنوق لان الشعر فن  واصوله وتقاليده وهو مرجع ذاته وليس مكاة للواقع الخارجي  .

 

وتكشف لنا ريتا عوض عن دلالات انثروبلوجية في قصيدة امرؤ القيس معززة بذلك الزعم القائل بشعائرية القصيدة، فهناك ثمة تعليل فلسفي لهذا الافتتاح، تكتسب اللغة الشعرية -من خلاله- قيمة رمزية استثنائية ؛فكلمة قفا لها دلالة متجذرة في التراث الثقافي، وربما أراد امرؤ القيس من خلال هذه الكلمة ان يوقف الزمن أو حركة سيرورته لتحقيق انتصاره الفني عليه، فالوقوف–هنا- فعا طقسي ينطوي على شعور بالرهبة والاحترام، وربما كان هذا التعظيم وقع في نفس الشاعر عندما نظر الى المكان يمثل صورة الخلود،ويسلب منه الحياة فعظمه في نفسه، وليس بعيدا عن هذا ما كان لديهم من عبادة الاصنام [9].

اذا فالشعر الجاهلي لم يكن محاكاة لافعال متكررة في الزمان او تمثيلا لمظاهر الواقع والطبيعة، لان الشاعر العربي كان على علاقة غير منسجمة مع واقعه وبيئته، كان يعاني معاناة حادة مع ازمة الوجود

الانساني ......

من هنا تميزت اللغة الشعرية في قصائد الشعر الجاهلي برمزيتها، من  خلال تحول الصيغة اللغوية عن المسار الزماني العادي للغة التقررية المباشرة الى الحيز المكاني المتحقق بالصورة الشعرية [10] .

والرمزية بهذا المعنى تنطوي على دلالة الادراك للعمل الادب: اي انها نظرية تأويلية ، وهذا هو حد التفريق بين النظام اللغوي والنظام الادبي كما يرى " تودورف " [11].

 وهذا سيقودنا الى دراسة الصورة الشعرية؛ ذلك ان دراسة الصورة الشعرية تحليل للدلالات الرمزية الثقافية للتعبير الفني في حضارة من الحضارات [12]



[1] القول  للعيكري في الصناعتين ،  وقد  نقلته  عن تاب  بنية القصيدة  العربية ،  للدكتور يوسف  حسين  بكار ، دار الثقافة ن القاهرة ،  1979،267

[2] انظر ، الدكتور محمد إحسان النص، أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنافي تحليل النص الشعري،مجلة  مجمع اللغة العربية بالقاهرة،عدد95ـص63

[3] تاب  بنية القصيدة  العربية ، ص269

[4] د.سعيد  محمد الفيومي ،فلسفة المكان في المقدمة الطللية،مجلة الجامعة الإسلامية غزة (سلسلة الدراسات الإنسانية) المجلد الخامس عشر، العدد الثاني، ص 241

[5] انظر الشعر والشعراء / ابن قتيبة ، تحقيق وشرح احمد محمد شاكر ، دار الحديث ، القاهرة ، ج1 2006، ص75

[6] انظر بناء القصيدة العربية ، المرجع السابق ص288

[7] انظر ريتا عوض ، بنية القصيدة الجاهلية ، دار الاداب بيروت ، ط1 ، ص185...وما بعدها

[8] ديوان امرؤ القيس ، ضبط وتصحيح الاستاذ مصطفى عبد الشافي ، دار الكتب العلميو بيروت ، ط5 2004 ، ص 110

[9] انظر ريتا عوض ، بنية القصيدة الجاهلية ، ص 185

[10] بنية القصيدة الجاهلية ، ص 113

[11] المرجع السابق ص114

[12] المرجع السابق ص 119


رئيس رابطة ادباء بيت المقدس

 فلسطين

www.adbmqds.net

فلسطين الدولة
فلسطين
عضو مميز
عضو نشط
تاريخ التسجيل
2007-02-08
247 عدد الموضوعات
442 عدد الردود
شاعر وناقد فلسطيني معروف ، ر
البريد الإلكتروني الأول
لمراسلة الكاتب
هل كاتب هذا الموضوع متواجد الآن هنا ؟
لا
قائمة الردود

1
08:50 2009-05-19
الشجرة الشاعرة

دراسة رائعة ومفيدة وخاصة لمن يهوون الشـــعر


الجزائر الدولة
الجزائر
عضو نشط
تاريخ التسجيل
2006-12-02
0 عدد الموضوعات
4094 عدد الردود
البريد الإلكتروني الأول
لمراسلة الكاتب
2
12:28 2009-05-19
القدس لنا
لك جزيل الشكر على تقديم هذا البحث النافع

سوريا الدولة
سوريا
عضو نشط
تاريخ التسجيل
2007-05-25
0 عدد الموضوعات
2561 عدد الردود
من هنا يمكنك التعقيب على هذا الموضوع الرجاء إكمال الخانات التالية



Save Undo Redo Subscript SuperScript Ordered List Unordered List Outdent Indent
Bold Italic Underline Bold Italic UnderLine Strike Trhough Left Align Center Align Right Align Justify Cut Copy Paste إسلاميات إضافة ملف Insert Line Text Color Highlight Color Insert Smiles
HTML View
المرفقات